علي المسعودي: لم أسرق القصيدة.. سرقت إحساسها فقط!

هل سمعت هفهفة جوزيف حرب الرائعة:
انا عندي حنين مابعرف لمين.. ليلية بياخدني من بين السهرانين؟
أعرف أنك سمعتها وقرأتها وحفظتها، تلك نسمة حميمة ولطيفة لاتخطئ القلوب المرهفة!
هل تصدقني لو قلت لك إن الشاعر بدر بن عبدالمحسن التقطها.. ثم غير ملامحها قليلا وكتبها من جديد بشكل آخر جميل، عندما قال:
وين احب الللية وين.. وين احب ووين اهيم؟
تقول .. هذه مقارنة بعيدة جدا!
لكني أعرف إحساس الشاعر عندما يسمع صورة شعرية ذكية، فهو يفرح، ويحزن، يروح ويجيء.. مثل هذا الجمال من الصعب تجاوزه.. يحاول أن يضعه في قائمة أشعاره بشكل سري لايعرفه احد، مع يقينه أن الراسخين في الشعر يكشفون بصمات القصيدة ويستخرحون الشعرة من عجين الكلمات.
لا تصدقني أليس كذلك؟
خذ هذه:
قالت ظاهرة الشرارية: الحق ظلما والمصقل دليلة
وقال البدر: الحق ظلما والقلوب اطفال..
ستقول: المعنى مختلف، المفردتان متشابهتان، لكن الصورة الشعوية شيء آخر.. ألا تدري أن موسيقى الرحابنة مأخوذة من مقطوعات شوبان.. بنفس الشكل الذي دسّه الشاعر في احاسيسه.
ألم أقل لك أن الشاعر عندما يرتكب الشعر مع سبق والإصرار والترصد يحاول أن يخفى آثار إحساس الآخرين في قصيدته بطريقة المحترفين وهم يكسرون أقفال بنوك المشاعر!
أعطيك هذه:
يقول شاعر الوصف البديع الخالد “البحتري”:
توَاضَعْ تَكُنْ كالنَّجْمِ لاح لِنَاظرٍ
على صفحات الماء وَهْوَ رَفِيعُ

أليست الصورة هي هي عندما قال بدر بن عبدالمحسن:
انتي كما قمراً على صفحة الما
له صورةٍٍ عندي وهو بالسما فوق؟
الفرق ان “البدر” رأى أن “البدر” يجب أن يوضع في مكانه الطبيعي فحمله من يد الرجل ليضعه في حضن الأنثى..!
هكذا يفعل كبار الشعراء.. يتعاملون مع كل قصيدة على أنها لوحة يراها من كل الزوايا حتى يضع فيها لمسة إضافية.. ويأخذ منها قطعة خميرة لمشروع شعري آخر
وقد قال أبوتمام :”الشعر ابن الشعر” وأنا أصدقه تماماً.. فكلما قرأت عن قصيدة تعاملت مع شاعرها على أنه والدها.. وطفقت أبحث بين وجوه القصائد القديمة عن أمّها!!
الشاعر المبدع لايسرق القصائد بل إن القصائد هي التي تسرقه ..
كأنّ جوزيف حرب خطف زياد الرحباني.. فدسّ زياد كل إحساس القصيدة في قلب والدته.. وفيروز هي التي خطفت قصيدة البدر !

الوسوم

مقالات ذات صلة