فهمن.. يا بعد حيي!

كتاب وتد | علي المسعودي

الذكرى.. فكرة، صورة ، التفاتة، أو صوت.. وربما رائحة.. تسحبك فجأة إلى مكان بعيد جداً، لم يدرْ في خلدك يوماً أن تعود إليه.. تتحوّل الرائحة إلى إحداثية دقيقة تخطفك إلى الطفولة وشخوصها.. إلى شخص ما، كنته يوماً ما، لكنه كبر، وغيّرته حوادث الأيام.
أليس يقول محمود درويش: (رائحة البن جغرافيا)؟ أليس الصوت واللون جغرافيا أيضاً؟😉
كنت أقضم قطعة بسكويت “أبو نجوم” 😋عندما تذكّرت قول بدر بن عبد المحسن: (قضمت تفاحة فشممت رائحة امرأة أعرفها.. لاحقتها بأنفاسي).
شممت في البسكويت رائحة مكان أعرفه.. فلاحقته بأنفاسي.. لأجدني فجأة أتجول في مدرسة الحسن البصري. طرت بسرعة من الزمان والمكان إلى الفسحة الأولى بعد الحصة الثالثة في الساحة الخلفية.. حيث ملعب الكرة
في الصف الثالث الابتدائي بدأت أقرأ  تفاصيل  الحياة من دائرة أوسع قليلاً..
وقد خرجنا إلى المدرسة من بيئات مغلقة.. تكتفي بعلاقات الجيرة المتشابهة والمتشابكة، تتطابق فيها العادات وتتشابه اللهجات والأصوات، فيعيش الطفل في محيط يظنه العالم كله، ويظن أن صورته واحدة.. هي الصورة التي يراها الآن..
وأنا مثل الآخرين قدمت إلى المدرسة بلهجتي “الشمّرية” التي تختلس الحروف الأخيرة في مخاطبة الرجل والأنثى فتقول للمرأة “أعطيتَهْ” أي: أعطيتها.. وتطلب من الرجل فتقول: “عَطَن”.. أي: أعطني.. وهي من لغات العرب الفصيحة المنسوبة إلى طيء، واشتهرت بها قبيلة شمر.
كانت تلك الطلبات تكثر في التعامل مع الزملاء الطلاب: عَطَن، وَدّن، عَلْمَن..
أتكلم بتلقائية على أن لهجة الكرة الأرضية كلها هي اللهجة شمرية، دون الانتباه إلى أن حولي لهجات أخرى أكثر شيوعاً.. حتى لاحظت أحد زملائي في الفصل كلما مر أمامي يقول لي بصوت عال مشفوع بابتسامة واضحة: “صديقنْ حميمنْ”. وهي عبارة أخذها من أحد دروسنا في اللغة العربية تتحدث عن الصداقة.👥
أصبح يكرر الكلمة كثيراً.. فاستوقفته.. وسألته عن سر مخاطبتي بهذه العبارة!
ففاجأني بجوابه: أنت تتكلم بهذا الشكل!
قلت له: أنا؟😵
قال مؤكّداً: نعم.. تقول: ودّن، طقّن، شالن، وصلن.. صديقن حميمن😂
أخذتني المفاجأة قليلاً.. وأخذت أسترجع لهجتي وكأنني أسمعها من نفسي لأول مرة..
ثم سألته: وأنت ماذا تقول؟
قال: ودني، شالني، حطني..😳
سكتُّ! وانسحبتُ.. وأنا أفكّر بصمت، وصرت أستوعب ما يقال حولي، وأركز في لهجات الطلاب.. لاحظت بالفعل أنني أتخلى عن ياء المتكلم.. بخلاف مَن حولي.. وحاولت التحدث مثلهم لكني فشلت..
وكم كان سروري عظيماً عندما درسنا سورة الفجر وفيها: (فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعّمه فيقول ربي أكرمن، وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن).. بقدر ما فرحت عندما درست “إنهم يكيدون كيداً” حين قال لي الطلاب: اسم والدك “كياد” مذكور في السورة!
كان سر فرحتي في كلمتي: “أكرمن، وأهانن”، أحسست بأن لهجتي هي جزء من لغة القرآن، أو أنها مواساة لي، أو إقرار لصواب قولي..
لكن في كل الأحوال كان لا بد من تغييرها.. وتدرّبت عدة سنوات حتى وصلت إلى نهايات المرحلة المتوسطة، عندها أصبحت أقول: عطني بدلاً من عطن، وفهمني بدلاً من فهمن.. 💪🏼 وذلك من منطلق ألا تكون غريباً في محيطك.. ولا تكون شاذاً عن موجة المجتمع
..
لكن دغيم الظلماوي مازال يقول لكليب (ياكليب شيب النار ياكليب شُبّه) يقول شبه ولايقول شُبّها!👌

بقلم | علي المسعودي

مقالات ذات صلة