محمد الوشيحي .. أمي سارة

جئت إلى الدنيا لأجد نفسي بين والدتين. لذا لم أكن مخطئاً، عندما كنت أسميها في طفولتي “أمي سارة”، لأميز في الحديث بينها وبين والدتي التي أنجبتني “أمي نورة”، أطال الله عمرها، في حين كان كثير من الناس يسمّي زوجة أبيه “خالتي” أو “عمتي”.

نشأتُ في طفولتي على يدَي أمي سارة، وتحت عينيها. كانت آخر زوجات المرحوم والدي، ولم تكن زوجة أب بالمفهوم السائد، إذ كنتُ أحظى بمعاملة خاصة من جانبها في طفولتي، معاملة لم يحظَ بها بقية إخوتي، سواء أبناؤها أو أشقائي. ولا أعرف سبب ذلك إلى الآن.

وعندما أنهيت الثانوية العامة، سافرت إلى أوكرانيا لدراسة الطب قبل أن أكمل سنتي الثامنة عشرة، فحدث موقف لا يزال في ذاكرتي، عندما علمتُ أنها كانت تبكي ووالدتي تعاتبها وتلومها: “لم يسافر إلى حرب وضرب، بل سافر ليدرس، فترة قصيرة ويعود”، فترد هي: “مازال صغيراً وأخشى عليه من الناس في غربته ووحدته”، فتمازحها أمي نورة: “يا بنت الحلال اخشِ على الناس منه”.

بسببي، أو بسبب طيشي، تعرضت أمي سارة لما لا يخطر على البال، ففي مرحلة الطفولة زرع فينا المرحوم والدي قدسية غريبة للجار، ومكانة الجار، وطريقة التعامل مع الجار، وكيف أن الجار لو فعل كذا أو حتى كذا، يجب ألا ترد عليه بمثل ما فعل، ووو… وكان عالمي كله محصوراً في منطقتنا، فلا لعب إلا مع أبناء الجيران، ولا معارك إلا مع أبناء الجيران، ولا حسن ولا سيئ إلا مع أبناء الجيران. فإذا ضربتُ أحدهم وعلم والدي قامت القيامة فوق رأسي، فألجأ إلى أمي سارة كي تحميني من غضبته، فتخبئني خلف ظهرها، فينالها ما ينالها من قسوة المرحوم، الذي قلتُ عنه سابقاً إنه من فصيلة النمور، لكنه تسلل خلسة إلى فصيلة البشر. كان كلما رفع يده بالعصا ليضربني وضعت هي جسمها بينه وبيني، وكلما توعدني بالعقاب كانت تحدثه بهدوئها الملائكي عني، وتهدئ أعصابه، حتى إذا ما رآني يكون نصف غضبته أو أكثر قد تلاشى.

ولو أملأ عن مآثرها كتباً ما أوفيتها حقها علي، ولا على المرحوم والدي ولا إخوتي. كانت امرأة معجونة بالطيب والهدوء والسكينة، حلوة المعشر، تنثر الخير في محيطها، يحبها جيرانها وأقرباؤها وكل من عرفها. هي من ذلك النوع الذي لا تمل من مجالسته والحديث معه.

أبكاني فقدك يمه، فعسى مثواك الجنة. إنا لله وإنا إليه راجعون.

*الجريدة

محمد الوشيحي

الوسوم

مقالات ذات صلة