جاسم الشمري: معالجة “البدون”.. اللعب بالانتماء الوطني للدول المحيطة

قال من آمرك .. قال من نهاني … وعلى ما يبدو فإن هذه خلاصة ما توصل إليه الجهاز المركزي لمعالجة أوضاع المقيمين بصورة غير قانونية .. إذ أعلن رئيس الجهاز متباهيا على الملأ بأنه وبعد سبع سنوات استطاع إنهاء قضية البدون وأن لا أحد منهم يمشي حاليا إلا وفي جيبه بطاقة تدل على بلده الأصلي الذي وفد منه.

الأمر هنا اللعب بالانتماء الوطني للدول المحيطة .. والنهي الذي لم يرد أن هذا اللعب لا يفترض أن يتم بمباركة حكومية صرفة .. غير أنه في زمن اللامنطق يصبح من المعيب الحديث عن منطق يحكم التعاطي مع القضايا على اختلاف مستوياتها.

لا أحد من البدون ادعى بأنه أو أحد أبائه أو أجداده لم يفد من التكتلات السكانية الكبيرة المحيطة في الكويت خلال فترات زمنية متلاحقة .. إلا أن أيا منهم كذلك يصر ودون مواربة أنه لا يحمل إثباتا من هذه الدول يمكنه من الانتماء إليها واقعا لا افتراضا.. وعليه فإن المشكلة الاساسية في ملف البدون لم تكن في أي من مراحلها المتعاقبة تعمية أصول جغرافية وإنما كانت في أن أي من هؤلاء المهاجرين أو الأغلبية المطلقة منهم لا يحمل أوراقا ثبوتية تدل على قانونية انتمائه إلى دولة بعينها .. وأغلب هؤلاء الذين كانوا يذرعون البراري إلى خمسينيات القرن الماضي كانوا على غير وئام مع محاولات إدماجهم في المجتمعات المدنية الناشئة .. وظلوا حبيسي أفكارهم التقليدية عن الدولة والقانون الذي يريد تقييد حرية حركتهم وسلب مراعيهم منهم .. وكانت الكويت وحدها في هذا المحيط من استطاع التعامل مع هؤلاء الرحل لتوطينهم أو على أقل احتمال استيعاب كثيرين منهم رحلوا طواعية إلى المدينة لجني دراهم يعودون بها إلى صحاري أجدادهم وكان أن تفاعل هؤلاء مع الحياة المدنية الوليدة فاندمجوا في تفاصيلها  وشيئا فشيئا بدأ الاستيطان وبدأت الأسر تلتحق ببعضها البعض .. وكان أن انتبهت الدولة في بواكير تنظيمها الإداري وحينما كانت النفوس صافية ولم تلوثها العنصرية البغيضة أو الطبقية المنفرة .. انتبهت إلى عدم تقييد حرية حركة هؤلاء البدو الرحل فنصت في قانون الإقامة على استثناء دخولهم إليها من المنافذ التي اعتادوها واعتبار إقامتهم فيها شرعية وقانونية ولا غبار عليها.

حينما يبدو وكأن الجهاز قد جلب الذئب من ذيله في إيراد جنسية ما للأفراد البدون المسجلين لديه وفقا لبعض أقاربهم فإن ذلك من باب العبث الذي لا طائل منه لأسباب عدة منها : أن المجتمعات التي ادعى نسبة هؤلاء لها تكاملت نظمها القانونية ولم يعد بالإمكان الحصول على وثائق ثبوتية منها إلا بشق الأنفس ، وأن اختيار بعض الأقارب الانتماء إلى هذه الدولة أو تلك لا يعني بأي حال ثبوت امتلاك كل الأقارب على هذا الانتماء ، وثالثا أن هناك أسر متناثرة الانتماءات بين دولتين وربما ثلاثة في محيط الكويت فإلى أي منها يمكن نسبة الفرع الذي استوطن الكويت ..

قبل أكثر من ستين عاما توفي جدي بدونا في الكويت قبل أن يصدر قانون الجنسية .. ودفن في مقبرة القبلة .. وبعده بربع قرن توفي ابنه الأكبر بدونا في الكويت ودفن في الصليبخات .. وبعد ذلك التاريخ بعشر سنوات توفي والدي بدونا في الكويت ودفن في الصليبخات .. عمي .. الابن الثالث لجدي حصل في بداية الستينيات على الجنسية الكويتية .. فيما إخوته الثلاثة قدر لهم البقاء بلا جنسية حتى توفاهم الله إلى رحمته .. في بداية الثمانينيات اختار ابن عمي  (الأكبر الذي توفي بدونا )  رحمه الله الانتماء إلى قبيلة أبناء أخته للحصول على الجنسية السعودية .. بعد ذلك التاريخ بعشر سنوات صدر أمر ملكي يتيح للسعوديين العودة إلى قبائلهم الأصلية والاحتفاظ بوثائقهم الثبوتية دون ضرر أو ضرار .. سارع ابن عمي إلى العودة لقبيلة أجداده .. عاد إلى التوطن في الكويت التي تركها شابا بعد ان أنهى الثانوية العامة بها .. استخرج بطاقته المدنية .. بعد وفاته بخمس سنوات يكتشف الجهاز أننا سعوديين لأن ابن عمنا سعودي .. حسنا يا سيدى .. وماذا عن عمي الكويتي الذي سبق حصول ابن عمي في الحصول على الجنسية بربع قرن تقريبا .. لا يهم .. نحن لسنا في وارد البحث عن كويتيتك .. نحن نبحث عن جذور لك خارج الوطن .. وماذا عن هذه الجذور .. هذا ليس من شأننا ..

ألم أقل لكم ..إنه عبث يقود إلى فوضى.

جاسم محمد الشمري

الوسوم

مقالات ذات صلة