التدخين في الثقافات المختلفة

عندما زار الباحث ديزموند ستيوارد القاهرة عام ١٩٥٠، أُخذ بما فيها من عجائب، ولم يشأ أن يفوت على نفسه أي فرصة تساعده على الاستمتاع بما فيها من مباهج. ومن ضمن طرقه التي سلكها بحثاً عن المتعة هي «زقارة»، وتوصل لقناعة، بعد أن شربها، بأنها الملاذ الوحيد لشعب حائر، بائس، وهي الوسيلة الوحيدة للتنفيس عن آلامهم والهروب من واقع حاضرهم الذي لا يكاد يرضيهم، وان الافضل قبل ان نطلب من هؤلاء الناس الامتناع عن التدخين ان نعالج مشكلة الفقر السائدة بينهم ونعلمهم طريقة استغلال أوقات الفراغ استغلالا صحيحا منتجا حتى نملأ الفراغ المدمر في حياتهم! لم أتعجب من إعجاب الأستاذ ديزموند ستيوارد بالتبغ كمصدر للوهم! وللوهم قدرة هائلة على التخفيف من سطوة الألم، والدليل أن كثيراً من الأولين والآخرين يجد في ايهامه لنفسه بنفع أشياء معينة أثرا فعّالا وملموسا على النفس؛ كحال كثير من الذين يوهمون أنفسهم بأن التدخين له قدرة على تسلية الخاطر وتخفيف الآلام! ولا أوضح على ذلك من قول الأمير الفارس عبدالله الرشيد: لا دك بالخاطر ثمانين هوجاس… الشاوري بالكيس والنار حية! مزّيت ما ييبس معاليجي ايباس… يطفي لهيب القلب لو به خطية! وقول الأمير الفارس مشاري بن ربيعان العتيبي: لولا شراب العظم يومنّي أملاه… أجويه بالجمره ويجوي جروحي! وقول الشاعر بندر بن سرور: عنّز على الدخان لو هو مضرّي! له حزّةٍ عند احتدام المصيبة! والحقيقة أن التدخين لا يساهم بشيء من ذلك، ولكن توهّم المدخن بذلك هو الذي يجعله ينشغل به عن التفكير في مصيبته، وانصراف الذهن عن التفكير في المصيبة هو الذي يخفف الآلام، ولكن لأن كثيرًا من الناس لا يستطيع اشغال ذهنه بشيء عند المصيبة سوى التدخين ظن بأن السحر يكمن في ذات التدخين، ولذلك قال الراحل بندر بن سرور: عنّز على الدخان لو هو مضرّي… له حزّةٍ عند اشتداد المصيبة!

عبدالكريم دوخي المجهول

a_do5y@



مقالات ذات صلة